فصل: تفسير الآيات رقم (165- 171)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 107‏]‏

‏{‏فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ‏(‏102‏)‏ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ‏(‏103‏)‏ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ‏(‏104‏)‏ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏105‏)‏ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ‏(‏106‏)‏ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ‏(‏107‏)‏‏}‏

ولما كانت البشرى من الله لا تتخلف، كان التقدير‏:‏ فولد له غلام كما قلنا ‏{‏فلما بلغ‏}‏ أن يسعى كائناً ‏{‏معه‏}‏ أي مع أبيه خاصة ومصاحباً له ‏{‏السعي‏}‏ الذي يرضى به الأب ويوطن نفسه عنده على الولد ويثق به، ولا يتعلق مع مبلغ لاقتضائه بلوغهما معاً حد السعي، ولا معنى لذلك في حق إبراهيم عليه السلام ولا بالسعي، لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه، ولو أخر عنه لم يفد الاختصاص المفهم لصغر سنه المفيد للإعلام بأن يبلغ في ذلك معه ما لا يبلغه مع غيره لعظيم شفقة الأب، واستحكام ميل الابن الموجب لطاعته، واختلف العلماء في تقدير ذلك بالسن فقال بعضهم‏:‏ ثلاث عشرة سنة، وبعضهم‏:‏ سبع سنين، ولذلك قيده بالأب لأن غيره لا يشفق على الولد فيكلفه ما ليس في وسعه، وهو لم يبلغ كمال السعي ‏{‏قال‏}‏ أي إبراهيم عليه السلام‏:‏ ‏{‏يا بني‏}‏ منادياً له بصيغة التعطف والشفقة والتحبب، ذاكراً له بالمضارع الحال الذي رآه عليه ومصوراً له، لا لتكرار الرؤيا فإنه غير محتاج إلى التكرار ولا إلى التروي، فإن الله تعالى أراه ملكوت السماوات والأرض، وأكد لما في طباع البشر من إحالة أن يقال ذلك على حقيقته، وإعلاماً بأنه منام وحي لا أضغاث أحلام‏:‏ ‏{‏إني أرى في المنام‏}‏ أي وأنت تعلم أن رؤيا الأنبياء وحي ‏{‏أني أذبحك‏}‏ أي أعالج ذبحك في اليقظة بأمر من الله تعالى ولذلك كان كما قال، ولو عبر بالماضي لمضى وتم، وإنما كان في المنام في هذا الأمر الخطر جداً ليعلم وثوق الأنبياء عليهم السلام بما يأتيهم عن الله في كل حال‏.‏

ولما كان الأنبياء عليهم السلام أشفق الناس وأنصحهم، أحب أن يرى ما عنده، فإن كان على ما يحب سر وثبته وإلا سعى في جعله على ما يحب فيلقى البلاء وهو أهون عليه، ويكون ذلك أعظم لأجره لتمام انقياده، ولتكون المشاورة سنة، فإنه «ما ندم من استشار» سبب عن ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فانظر‏}‏ بعين بصيرتك ‏{‏ماذا‏}‏ أي ما الذي ‏{‏ترى‏}‏ أي في هذه الرؤيا، فهو اختبار لصبره، لا مؤامرة له ‏{‏قال‏}‏ تصديقاً لثناء الله عليه بالحلم‏:‏ ‏{‏يا أبت‏}‏ تأدباً معه بما دل على التعظيم والتوفير ‏{‏افعل ما تؤمر‏}‏ أي كل شيء وقع لك به أمر من الله تعالى ويتجدد لك به أمر منه سبحانه لأني لا أتهمك في شفقتك وحسن نظرك، ولا أتهم الله في قضائه، والقصة دليل على وقوع الأمر بالممتنع لغيره ولأكثر الأوامر منه، وقد تقدم ذلك في البقرة عند ‏{‏ءأنذرتهم أم لم تنذرهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 6‏]‏‏.‏

ولما علم طاعته، تشوف السامع إلى استسلامه وصبره، فاستأنف قوله‏:‏ ‏{‏ستجدني‏}‏ أي بوعد جازم لا تردد فيه صادق كما أخبر الله تعالى عنه، لا خلف فيه، وكان صادق الوعد‏.‏

ولما كان من أخلاق الكمل عدم القطع في المستقبلات لما يعلمون من قدرة الله تعالى على نقض العزائم بالحيلولة بين المرء وقلبه قال‏:‏ ‏{‏إن شاء الله‏}‏ أي الذي اختص بالإحاطة بصفات الكمال؛ وأكد وعده بهذا الأمر الذي لا يكاد يصدق مثله بقوله‏:‏ ‏{‏من الصابرين‏}‏ أي العريقين في الصبر البالغين فيه حد النهاية، وهو من أعظم ما أريد بقوله ‏{‏وكان صادق الوعد‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 54‏]‏‏.‏

ولو بيد الحبيب سقيت سماً *** لكان السم من يده يطيب

وجعل هذا الأمر العظيم في المنام دلالة على صدق أحوال الأنبياء نوماً ويقظة، وصدق عزائمهم وانقيادهم لجميع الأوامر في جميع الأحوال، وروي أن الشيطان وسوس له في ذبحه فعرفه فرماه بسبع حصيات فصار ذلك شريعة في الجمار، ومن ألطف ما في ذلك أنهم لما كانوا في نهاية التجرد عن علائق الشواغل جعلت أفعالهم شعائر وشرائع لعبادة الحج التي روحها التجرد للوفود إلى الله تعالى‏.‏

ولما وثق منه، بادر إلى ما أمر به، ودل على قرب زمنه من زمن هذا القول بالفاء فقال‏:‏ ‏{‏فلما أسلما‏}‏ أي ألقيا بالفعل على غاية الإخلاص حين المباشرة بجميع قواهما في يد الأمر، ولم يكن عند أحد منهما شيء من إباء ولا امتناع ولا حديث نفس في شيء من ذلك ‏{‏وتلّه‏}‏ أي صرعه إبراهيم عليهما السلام صرعاً جيداً سريعاً مع غاية الرضا منه والمطاوعة من إسماعيل عليه السلام، ودل على السرعة باللام الواقعة موقع «على» فقال‏:‏ ‏{‏للجبين *‏}‏ أي أحد شقي الجبهة، وهي هيئة إضجاع ما يذبح، وهذا من قولهم‏:‏ تله- إذا صرعه، وبه سمي التل من التراب، وتلك فلاناً في يدك أي دفعته سلماً، والجبين- قال في الصحاح‏:‏ فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها‏.‏

ولما كان من الواضح أن التقدير جواباً لما عالج ذبحه بعزم أمضى من السنان، وجنان في ثباته أيما جنان، فمنعناه من التأثير بقدرتنا، ورددنا شفرته الماضية عن عنقه اللينة بأيدينا وقوتنا، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وناديناه‏}‏ وفخم هذا النداء بحرف التفسير فقال‏:‏ ‏{‏إن يا إبراهيم*‏}‏ ولما كان محل التوقع الثناء عليه قال‏:‏ ‏{‏قد صدقت‏}‏ أي تصديقاً عظيماً ‏{‏الرؤيا‏}‏ في أنك تذبحه، فإنك قد عالجت ذلك، وبدلت الوسع فيه، وفعلت ما رأيته في المنام، فما انذبح لأنك لم تر أنك ذبحته، فاكفف عن معالجة الذبح بأزيد من هذا‏.‏ ولما كان التقدير‏:‏ فجزيناك على ذلك لإحسانك فوق ما تحب، وجعلناك إماماً للمتقين، ووهبناك لسان صدق في الآخرين، وجعلنا آلك هم المصطفين، وملأنا منهم الخافقين، علله بأن ذلك سنته دائماً قديماً وحديثاً فقال ما يأتي‏.‏

ولما كان صلى الله عليه وسلم في همة الذبح وعزمه، فكانت تلك الهمة التي تقصر عنها رتبها السها والسماك، والعزمة التي تتضاءل دون عليّ مكانتها وسني عظمتها عوالي الأفلاك، لا تسكن عن ثورانها، ولا تبرد عن غليانها وفورانها، إلا بأمر شديد، وقول جازم أكيد، قال مؤكداً تنبيهاً على أن همته قد وصلت إلى هذا حده، وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة بالنهي‏:‏ ‏{‏إنا كذلك‏}‏ أي مثل هذا الجزاء العظيم ‏{‏نجزي المحسنين *‏}‏‏.‏

ولما كان جزاءه عظيماً جداً، دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله معجباً ومعظماً مؤكداً تنبيهاً على أنه خارق للعادة‏:‏ ‏{‏إن هذا‏}‏ أي الأمر والطاعة فيه ‏{‏لهو البلاؤا‏}‏ أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائناً ما كان ‏{‏المبين *‏}‏ أي الظاهر في بابه جداً المظهر لرائيه انه بلاء‏.‏

ولما قدم ما هو الأهم من نهيه عن علاجه، ومن البشارة بالجزاء، ذكر فداءه بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر الأيام وتعاقب السنين، ولما كان المفتدى منه من كان الأسير في يده، وكان إسماعيل في يد إبراهيم عليهما السلام، وهو يعالج إتلافه، جعل تعالى نفسه المقدس فادياً لأن الفادي من أعطى الفداء، وهو ما يدفع لفكاك الأسير، وجعل إبراهيم عليه السلام مفتدى منه تشريفاً له وإن كان في الحقيقة كالآلة التي لا فعل لها، والله تعالى هو المفتدى منه حقيقة فقال‏:‏ ‏{‏وفديناه‏}‏ أي الذبيح عن إنفاذ ذبحه وإتمامه تشريفاً له ‏{‏بذبح‏}‏ أي بما ينبغي أن يذبح ويكون موضعاً للذبح، وهو كبش من الجنة، قيل‏:‏ إنه الذي قربه هابيل فتقبله الله منه ‏{‏عظيم *‏}‏ أي في الجثة والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ومجعول ديناً إلى آخر الدهر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏108- 113‏]‏

‏{‏وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏108‏)‏ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ‏(‏109‏)‏ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏110‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏111‏)‏ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏112‏)‏ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ‏(‏113‏)‏‏}‏

ولما كان سبحانه إذا منّ بشيء علم أنه عظيم، فإذا ذكر الفعل وترك المفعول أراد فخامته وعظمته، قال‏:‏ ‏{‏وتركنا عليه‏}‏ أي على الذبيح شيئاً هو في الحسن بحيث يطول وصفه‏.‏ ولما كان بحيث لا ينسى قال‏:‏ ‏{‏في الآخرين *‏}‏ ومن هذا الترك ما تقدم من وصفه بصدق الوعد، لأنه وعد بالصبر على الذبح فصدق‏.‏

ولما عظم الغلام، استأنف تعظيم والده بما يدل مع تشريفه على سلامته بقوله‏:‏ ‏{‏سلام على إبراهيم *‏}‏ أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية وتكريم في الدارين ولما كان هذا خطاباً لمن بعده عليه السلام وهم كلهم محبون مجلون معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال‏:‏ ‏{‏كذلك‏}‏ أي مثل هذا الجزاء العظيم ‏{‏نجزي المحسنين *‏}‏ من غير أن يذكر «أن» المؤكدة، ولما كانت أهل الملل كلها متفقة على حبه، وكان كلهم يدعي اتباعه ورتبة قربه، قال معللاً لجزائه بهذا المدح في سياق التأكيد استعطافاً لهم إلى اتباعه في الإيمان وتكذيباً لمن ينكر أن يكون الإيمان موجباً للإحسان‏:‏ ‏{‏إنه من عبادنا‏}‏ أي الذين يستحقون الإضافة في العبودية والعبادة إلينا ‏{‏المؤمنين *‏}‏ فلا يطمع أحد عري عن الإيمان في رتبة أتباعه، قال الرازي‏:‏ الإيمان المطلق الحقيقي شهود جلال الله ووحدانيته والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه، وترك المشيئة لمشيئته والانقياد لأمره في جميع أحواله‏.‏ ولما أتم قصته في أمر الذبيح، وشرع في ذكر ما جازاه به على ذلك، جعل منه أمر إسحاق عليه السلام فقال‏:‏ ‏{‏وبشرناه‏}‏ أي جزاء على صبره في المبادرة إلى امتثال الأمر في إعدام إسماعيل عليه السلام ‏{‏بإسحاق‏}‏ مولوداً زيادة له بعد ما سلمنا إسماعيل عليه السلام حال كونه ‏{‏نبياً‏}‏ أي في قضائنا أو بوجوده مقدرة نبوته‏.‏ ولما كان هذا اللفظ قد يطلق على المتنبئ، أزال إشكال هذا الاحتمال وإن كان واهياً بقوله‏:‏ ‏{‏من الصالحين *‏}‏ أي العريقين في رتبة الصلاح ليصلح لأكثر الأوصاف الصالحة‏.‏ ولما أثنى على إبراهيم عيله السلام بما عالج مما لم يحصل لغيره مثله، وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة في ذريته قال‏:‏ ‏{‏وباركنا عليه‏}‏ أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه الذي جر هذا الكلام كله الحديث عنه، وكان آخر ضمير محقق عاد عليه الهاء في «وفديناه» ثم في «وتركنا عليه في الآخرين» وهذا عندي أولى من إعادة الضمير على إبراهيم عليه السلام لأنه استوفى مدحه، ثم رأيت حمزة الكرماني صنع هكذا وقال‏:‏ حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم والعرب من صلبه‏.‏ ‏{‏وعلى إسحاق‏}‏ أي أخيه، قال حمزة الكرماني‏:‏ حتى كان إسرائيل الله والأسباط من صلبه، وقال غيره‏:‏ خرج من صلبه ألف نبي أولهم يعقوب وآخرهم عيسى عليه السلام‏.‏

‏{‏ومن ذريتهما‏}‏ أي الأخوين ولا شك أن هذا أقرب وأقعد من أن يكون الضمير للأب والابن لأن قران الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن مع أبيه في ذلك، فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب ‏{‏محسن وظالم لنفسه‏}‏ حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه، وهذا مما يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من البر‏.‏

ولما كان الإنسان، وإن اجتهد في الإحسان، لا بد أن يحتاج إلى الغفران، لما له من النقصان، لأن رتبة الإلهية لا تصل إلى القيام بحقها العوائق البشرية، بين أن الظلم المراد هنا إنما هو التجاوز في الحدود بغاية الشهوة فقال‏:‏ ‏{‏مبين *‏}‏ وأما غير ذلك فمغفور كما قرر في نحو ‏{‏لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت‏}‏ «ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة» ‏{‏وأن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 31‏]‏‏.‏

قصة ذبح إبراهيم لولده عليهما السلام من التوارة وبيان أنهم بدلوها، قال مترجمهم‏:‏ فغرس إبراهيم ببئر سبع غرساً، وبنى هنالك باسم الرب إله العالمين، وسكن إبراهيم أرض فلسطين- يعني عند تلك البئر- أياماً كثيرة‏.‏ ولما كان من بعد هذه الخطوب امتحن الله إبراهيم، وقال له‏:‏ يا إبراهيم‏!‏ فقال‏:‏ لبيك، فقال له‏:‏ انطلق بابنك الوحيد إسحاق الذي تحبه إلى أرض الأمورانيين- وفي نسخة‏:‏ إلى بلدة العبادة- وأصعده إليّ قرباناً على أحد تلك الجبال الذي أقول لك، فأدلج إبراهيم باكراً فأسرج حماره وانطلق بغلاميه وإسحاق ابنه، وشق حطباً للقربان ونهض وانطلق إلى الموضع الذي قال الله له، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم بصره ونظر إلى ذلك الموضع من بعيد فقال لغلاميه‏:‏ امكثا هاهنا عند الحمار، وأنا والغلام ننطلق إلى هاهنا نصل ونرجع إليكما، فأخذ إبراهيم حطب القربان، وحمله إسحاق ابنه، وأخذ معه ناراً وسكيناً، وانطلقا كلاهما جميعاً، وقال إسحاق لأبيه إبراهيم‏:‏ يا أبة، فقال له‏:‏ لبيك، فقال له‏:‏ هذه النار والحطب، أين حمل القربان، فقال إبراهيم‏:‏ الله يعد لنا حملاً للقربان يا بني، فانطلقا جميعاً حتى انتهيا الى الموضع الذي قال الله، فبنى هنالك إبراهيم مذبحاً ونضد عليه الحطب وكتف إسحاق فوضعه في أعلى المذبح على الحطب، ومد يده إبراهيم فأخذ السكين ليذبح ابنه، فدعاه ملاك الرب من السماء وقال‏:‏ يا إبراهيم يا إبراهيم، فقال‏:‏ لبيك‏!‏ فقال‏:‏ لا تبسط يدك على الغلام ولا تصنع به شيئاً لأنك قد أظهرت الآن أنك تتقي الله إذا لم تمنعني ابنك الوحيد، فمد إبراهيم بصره فإذا كبش معلق في شجرة بقرنيه، فانطلق إبراهيم فأخذ الكبش فأصعده قرباناً بدل ابنه اسحاق، فسمى إبراهيم ذلك الموضع «الله يتجلى» كما يقال‏:‏ الله في هذا الجبل، الله يتجلى، فدعا ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء وقال‏:‏ بي أقسمت، يقول الرب‏:‏ بدل ما صنعت هذا الصنيع ولم تمنعني ابنك الوحيد لأباركنك بركة تامة ولأكثرن نسلك مثل كواكب السماء، ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر ويرث زرعك أراضي أعدائي وفي نسخة‏:‏ أعداءه- ويتبارك بنسلك جميع الشعوب لأنك أطعتني، فرجع إبراهيم إلى غلاميه وانصرفوا جميعاً إلى بئر السبع وأقام ثمًّ- وفي نسخة‏:‏ وسكن إبراهيم بئر السبع- انتهى ما عندهم بلفظه فانظر إليه واجمع بينه وبين ما تقدم في البقرة من قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام تجدهم قد بدلوها بلا شك، لأن الكلام ينقض بعضه بعضاً، وذلك أنه قال في هذه القصة «انطلق بابنك الوحيد» وكرر وصفه بالوحيد في غير موضع، وهذا الوصف إنما يكون حقيقة لإسماعيل عليه السلام وهو دون البلوغ، وأما إسحاق عليه السلام فلم يكن وحيداً ساعة من الدهر، بل ولد وإسماعيل عليه السلام ابن ثلاث عشرة سنة ونيف بشهادة ما عندهم من التوراة، وقوله في آخر القصة «ويتبارك بنسلك جميع الشعوب» لا يكون في غاية الملاءمة إلا لإسماعيل عليه السلام، وأما إسحاق عليه السلام فإنما بورك بنسله الأراضي المقدسة فقط، ولم يتبعهم من غيرهم إلا قليل، بل كانوا هم في كل قليل يتبعون غيرهم على عبادة أوثانهم بشهادة توراتهم وأسفار أنبيائهم يوشع بن نون ومن بعده عليهم السلام، وأما نسل إسماعيل عليه السلام فتبعهم على الدين الحق من جميع الأمم ما لا يحصى عدده ولم يتبعوا هم بعد محمد صلى الله عليه وسلم أحداً من الأمم على عبادة غير الله- هذا وفي المتقدم في سورة البقرة أن هبة سارة أمتها هاجر رضي الله عنها لإبراهيم عليه السلام كان بعد أن سكن كنعان بعشر سنين، وأن إسماعيل عليه السلام ولد لإبراهيم عليه السلام وهو ابن ست وثمانين سنة، وأن الله تعالى أمره بالختان وهو ابن تسع وتسعين سنة، وأنه في ذلك الوقت بشر بإسحاق عليه السلام، فختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وثم ولد له إسحاق عليه السلام وقد أتى عليه مائة سنة، ثم قال ما نصه‏:‏ وصنع إبراهيم يوم فطم إسحاق ابنه مأدبة عظيمة فأبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود لإبراهيم عليه السلام لاعباً، فقالت لإبراهيم عليه السلام‏:‏ أخرج هذه الأمة عني، لأن ابن الأمة لا يرث مع إسحاق ابني، فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان ابنه، فقال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام‏:‏ لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك، أطع سارة في جميع ما تقول لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق، وابن الأمة أجعله لشعب كثير لأنه من ذريتك، فغدا إبراهيم عليه السلام باكراً وأخذ خبزاً وإداوة من ماء، فأعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام- إلى آخر ما في البقرة فقوله «إن هاجر طردت بعد فطام إسحاق وابنها تحمل» لا يصح، وقد تقدم أن عمره يوم فطام إسحاق خمس عشرة سنة، وتقدم أيضاً أن سارة أمرته بطردها وهي حبلى، وأنه سلمها لها فطردتها، وان الملك لقيها فبشرها بإسماعيل ولم يذكر في نسختي- وهي قديمة جداً- شيئاً يدل على رجوعها، وأما في نسخة عندهم فقال‏:‏ إن الملك قال لها‏:‏ ارجعي إلى سيدتك واستكدي تحت يدها- ولم يذكر أنها رجعت، وقد صح الخبر عندنا بقول نبينا صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم عليه السلام وضع هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام، عند البيت الحرام وهو يرضع، واستمرا هناك إلى أن ماتت هاجر رضي الله عنها، وتزوج إسماعيل عليه السلام وبنى البيت مع أبيه عليهما السلام، وقوله «لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق عليه السلام» غير مطابق للواقع، فإن شهرة العرب بإبراهيم عليه السلام أن لم تكم أن أكثر من شهرة بني إسحاق بذلك فهي مثلها، وخبر الله لا يتخلف، فدل هذا كله أنهم بدلوا القصة وحرفوها، فلا متمسك فيها لهم، ودلالتها على أن الذبيح إسماعيل عليه السلام أولى من دلالتها على غير ذلك لوصفه بالوحيد- والله أعلم كيف كانت القصة قبل التبديل‏؟‏ ومما يدل على ما فهمت من تبديلهم لها ما قال البغوي‏:‏ قال القرظي يعني محمد بن كعب-‏:‏ سأل عمر بن عبد العزيز رجلاً كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه‏:‏ أي ابني إبراهيم عليه السلام أمر بذبحه‏؟‏ فقال‏:‏ إسماعيل يا أمير المؤمنين‏!‏ إن اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله بذبحه ما كان، ويزعمون أنه أبوهم، ومن الدليل على أنه إسماعيل عليه السلام أن الله تعالى لما بشر بإسحاق بشر بأنه يولد له يعقوب، فلا يليق الامتحان به بعد علمه بأنه لا يموت حتى يولد له، ومن الدليل على ذلك أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل عيله السلام إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في زمان ابن الزبير والحجاج، قال الشعبي‏:‏ رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ والذين نفسي بيده‏!‏ لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، وقال الأصمعي‏:‏ سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح‏:‏ إسحاق كان أو إسماعيل‏؟‏ فقال‏:‏ يا أصيمع‏!‏ أين ذهب عقلك‏؟‏ متى كان إسحاق بمكة‏؟‏ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بني البيت مع أبيه- انتهى ما قال البغوي‏.‏

وفي كتاب الحج من سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان- وهو الحجبي رضي الله عنه‏:‏ «إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي» ورواه عبد الرزاق في جامعه ولفظه أن عثمان بن شيبة رضي الله عنه قال‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم قال له‏:‏ «إني رأيت قرني الكبش فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصلياً»- هكذا قال‏:‏ عثمان بن شيبة، ولعله ابن طلحة، فيكون المتقدم ويكون تسمية أبيه شيبة وهما، أو يكون شيبة بن عثمان وهو ابن عم الذي عند أبي داود فأنقلب- والله أعلم، وروى عبد الرزاق أيضاً عن ابن جريح قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن شيبة بن عثمان، وسألته هل كان في البيت قرنا كبش‏؟‏ قال‏:‏ نعم، كانا فيه، قلت‏:‏ أرأيتهما‏؟‏ قال‏:‏ حسبت، ولكن أخبرني عبد الله بن بابيه أن قد رآهما، قال‏:‏ وغيره قد رآهما فيه، قال‏:‏ ويقولون‏:‏ إنهما قرنا الكبش الذي ذبح إبراهيم عليه السلام، قال ابن جريج وقالت صفية ابنة شيبة‏:‏ كان فيه قرنا الكبش، قال ابن جريح‏:‏ وحدثت أن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كانا فيه‏.‏ قال‏:‏ وحدثت عن عجوز قلت‏:‏ رأيتهما فيه، ومما يؤيد القول بأنه إسماعيل عليه السلام وصف الله تعالى له بأنه صادق الوعد، ولا صدق في وعد أعظم من صدقه في وعده بالصبر على الذبح، وممن قال من بني إسرائيل أنه إسماعيل عليه السلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه- حكاه عن ابن الجوزي، وعد القائلين بكل من القولين من الصحابة وغيرهم فقال‏:‏ إن القائلين بأنه إسحاق‏:‏ عمر وعلي والعباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو هريرة وأنس رضي الله عنهم، وبأنه إسماعيل‏:‏ ابن عمر، وأن الرواية اختلفت عن ابن عباس رضي الله عنهما، فروى عنه عكرمة أنه إسحاق، وعطاء ومجاهد والشعبي وأبو الجوزاء ويوسف بن مهران أنه إسماعيل، فعلم من هذا رجحان القول بأنه إسماعيل، لأن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما تأخرا بعد من ذكر من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فلولا أنه رجح عندهما ما خالفا أبويهما، ونقل عكرمة عن ابن عباس بموافقة أبيه لا يقدح في ذلك بل يؤيده لأن الأكثر كما ترى رووا عنه الثاني، فلولا أنه صح عنده ما رجع عن الأول الذي هو موافق لرأي أبيه، ولأجل ثباته عليه اشتهر عنه- والله أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 122‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏114‏)‏ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏115‏)‏ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ‏(‏116‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ‏(‏117‏)‏ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏118‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏119‏)‏ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏120‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏121‏)‏ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏122‏)‏‏}‏

ولما ذكر هؤلاء السادة الذين لهم من رتبة التجرد والنزاهة ما تقدم بيانه، وختمهم بأخوين ما اجتمعا قط، وكان من أعظم المقاصد بذكرهم المنة على من اتصف بمثل صفاتهم بالقرب والنصرة تسلية وترجية للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه من المؤمنين ممن قارب- من شدة البلاء والقهر- اليأس من النصر، أتبعهم بأمثالهم في التجرد وابتدأهما بأخوين افترقا حين ولادة الثاني على حالة لا يمكن الاجتماع معها عادة، ثم اجتمعا في الباطن مع الافتراق في الظاهر ثم افترقا على حالة يبعد الاجتماع معها عادة ثم اجتمعا اجتماعاً لم يفترقا منه إلا بالموت وبدأهما بأول من تجرد منهما من حين ولادته إلى أوان هجرته، ثم من حين رجعته إلى أن جرد آله- وهم بعض ذرية إبراهيم عليه السلام- وأنقذهم من علائق الكفرة، ثم تجرد معهم هو وأخوه عن المدن والقرى وأكثر علائق البشر، ملازمين البراري والفلوات حيث يكثر ظهور الكلمة مع إرسال الله إليهما بمعادن الحكمة إلى أن ماتا عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام، فقال مؤكداً تنبيهاً لمن يعد نصر المؤمنين محالاً، عاطفاً على ما تقديره‏:‏ فلقد أنشأنا منهما من الأمم ما يعجز الوصف ويفوت الحصر، ومننا على كثير منهم بالإحسان من ولد إسماعيل عليه السلام إلى أن غير دينه عمرو بن لحي، ومن ولد إسحاق يعقوب والأسباط عليهم السلام ومن شاء الله من أولادهم‏:‏ ‏{‏ولقد مننا‏}‏ أي أنعمنا إنعاماً مقطوعاً به بما لنا من العظمة، على أول من أظهر لسان الصدق لإبراهيم عليه السلام وذريته اظهاراً تاماً‏.‏ وبدأهما بأعرقهما- كما تقدم- في التجرد وأحقها بالتقدم فقال‏:‏ ‏{‏على موسى‏}‏ أحد أعيان المتجردين، ومن له القدم الراسخ في ذلك ‏{‏وهارون*‏}‏ أي عين من تجرد مع أخيه ووافقه أتم موافقة، ووازره أعظم موازرة، بما أتيا به من النبوة والكتاب وغير ذلك من أنواع الخطاب‏.‏

ولما كان جل المقصود- كما مضى- مقام التجرد، والإعلام بنصر المستضعفين من المؤمنين، قال‏:‏ ‏{‏ونجيناهما وقومهما‏}‏ أي بني إسرائيل وقد كانوا مرت لهم دهور في ذل لا يقاربه ذل المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أول أمرهم ‏{‏من الكرب العظيم *‏}‏ أي الاستبعاد، وما يتبعه من عظائم الأنكاد، وكان ذلك بهلاك القبط الذين استمروا على الضلال، وهم أضعاف أضعاف بني إسرائيل، إلى أن أهلكناهم فلم يفلت منهم إنسان، فصح لبني إسرائيل حينئذ التجرد وزال عنهم ذل التجبر والتمرد‏.‏

ولما بين نعمة النجاة من الأسر، أتبعها نعمة الالتذاذ بالنصر، فقال‏:‏ ‏{‏ونصرناهم‏}‏ أي موسى وهارون عليهما السلام وقومهما على كل من نازعهم في ذلك الزمان من فرعون وغيره ‏{‏فكانوا هم‏}‏ أي خاصة ‏{‏الغالبين *‏}‏ أي على كل من يسومهم سوء العذاب، وهو فرعون وآله وعلى جميع من ناووه أو ناواهم، فاحذروا يا معشر قريش والعرب من مثل ذلك، ولقد كان ما حذرهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعظم ما يمكن أن يكون إلا نبينا صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لين الله قلوبهم حتى ردهم إلى ما اغتبطوا به من متابعته، فصاروا به ملوك الدنيا والآخرة‏.‏

ولما كانت فائدة النصرة التمكن من إقامة الدين قال‏:‏ ‏{‏وآتيناهما‏}‏ أي بعظمتنا بعد إهلاك عدوهم ‏{‏الكتاب المستبين *‏}‏ أي الجامع البين الذي هو لشدة بيانه طالب لأن يكون بيناً وهو كذلك فإنه ليس شيء من الكتب مثل التوراة في سهولة مأخذها، وجمع هارون عليه السلام معه في الضمير لأنه مثله في تقبل الكتاب والعمل بجميع ما فيه والثبات على ما يدعو إليه وإن كان نزوله خاصاً بموسى عليه السلام‏:‏ ‏{‏وهديناهما الصراط‏}‏ أي الطريق الواضح في الإيصال إلى المقصود ‏{‏المستقيم *‏}‏ أي الذي هو لعظيم تقومه كأنه طالب لأن يكون قويماً، فهو في غاية المحافظة على القوم فلا يزيغ أصلاً، ولذلك هو شرائع الدين القيم‏.‏

ولما كان الذكر الجميل عند ذوي الهمم العالية والعزائم الوافية هو الشرف قال‏:‏ ‏{‏وتركنا عليهما‏}‏ أي ما تعرفون من الثناء الحسن ‏{‏في الآخرين *‏}‏ أي كل من يجيء بعدهما إلى يوم الدين‏.‏ ولما ظهر بهذا أن لهما من الشرف والسؤدد أمراً عظيماً كانت نتيجته‏:‏ ‏{‏سلام‏}‏ أي عظيم ‏{‏على موسى‏}‏ صاحب الشريعة العريق في الاتصاف بمقصود السورة ‏{‏وهارون *‏}‏ وزيره وأخيه‏.‏ ولما كان نصر النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه من الضعفاء على قريش وسائر العرب عند قريش في غاية البعد، وكان التقدير‏:‏ فعلنا معهما ذلك لإحسانهما، علله بما يقطع قلوب قريش في مظهر التأكيد فقال‏:‏ ‏{‏إنا كذلك‏}‏ أي مثل هذا الجزاء ‏{‏نجزي‏}‏ أي دائماً في كل عصر ‏{‏المحسنين *‏}‏ أي العريقين في هذا الوصف؛ ثم علل إحسانهما وبينه وأكده ترغيباً في مضمونه، وتكذيباً لمن يقول‏:‏ إن المؤمنين لا ينصرون، بقوله‏:‏ ‏{‏إنهما من عبادنا‏}‏ أي الذين محضوا العبودية والخضوع لنا ‏{‏المؤمنين *‏}‏ أي الثابتين في وصف الإيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 130‏]‏

‏{‏وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏123‏)‏ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏124‏)‏ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ‏(‏125‏)‏ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏126‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ‏(‏127‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏128‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏129‏)‏ سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ‏(‏130‏)‏‏}‏

ولما كان إلياس أعظم المتجردين من أتباعهما المجددين لما درس من أحكام التوراة، وكان ترك أحكامها مع ما وصفت به من البيان وما دعت إليه من الاستقامة في غاية من الضلال تكاد أن لا يصدق مثلها أشار إلى الزيغ عنه بياناً لأن القلوب بيده سبحانه فقال مؤكداً‏:‏ ‏{‏وإن إلياس‏}‏ أي الذي كان أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود وعكرمة، وهو من سبط لاوي، ومن أولاد هارون عليه السلام، وقال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هو عم اليسع عليهم السلام، وأرسلناه إلى من كان منهم في أرض بعلبك ونواحيها، فلما لم يرجعوا إليه نزعنا عنه الشهوات الإنسانية وخلقناه بالأوصاف الملكية، ولا يبعد أن يكون الداعي إلى تسميته بهذا الاسم ما سبق في علم الله أنه ييأس ممن يدعوهم إلى الله فيكون ممن يأتي يوم القيامة وما معه إلا الواحد أو الاثنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه الشيخان‏:‏ البخاري في الرقاق والطب، ومسلم في الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ «عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه رهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد»، فجعل سبحانه اسمه مناسباً لأمره في قومه بيأسه منهم حين فر إلى الجبال من شرهم، ويأسهم من القدرة على قتله، فإنهم اجتهدوا في ذلك حتى أعياهم، وأدل دليل على هذا المعنى قراءة ابن عامر بخلاف عنه بوصل الهمزة في الدرج وفتحها في الابتداء، وإن قال العلماء كما حكاه السمين في إعرابه‏:‏ إن ذلك من تلاعب العرب بالأسماء العجمية، قطعوا همزته تارة ووصلوها أخرى، يعني فخاطبهم سبحانه بما ألفوه من لسانهم ‏{‏لمن المرسلين‏}‏ أي إلى من بدل أمر التوارة ونابذ ما دعت إليه ‏{‏إذ قال لقومه‏}‏ منكراً عليهم ما من حقه الإنكار بقوله‏:‏ ‏{‏ألا تتقون *‏}‏ أي يوجد منكم تقوى وخوف، فإن ما أنتم عليه يقتضي شراً طويلاً، وعذاباً وبيلاً، وما أنتم عليه من السكون والدعة يقتضي أنه لا خوف عندكم أصلاً، وذلك غاية الجهل والاغترار بمن تعلمون أنه لا خالق لكم ولا رازق غيره‏.‏

ولما كان هذا الإنكار سبباً للإصغاء، كرره مفصحاً بسببه فقال‏:‏ ‏{‏أتدعون بعلاً‏}‏ أي إلهاً ورباً، وهم صنم كان لهم في مدينة بعلبك كان من ذهب طوله عشرين ذراعاً وله أربعة أوجه، فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة، والسدنة يحفظونها، وهم أربعمائة ويعلمونها الناس، ويحتمل أن يكون علماً على الصنم المذكور فيكون المفعول الثاني منوياً، وحذف ليفهم الدعاء الذي لا دعاة يشبهه وهو الدعاء بالإلهية، ومن قرأ شاذاً «بعلاء» بوزن «حمراء» فهو إشارة إلى كثرة حث امرأة الملك على عبادة بعل وقتل إلياس عليه السلام، وطاعة زوجها لها في ذلك- كما حكاه البغوي، فاستحق التأنيث لذلك، فأنث لكثرة ملابستها له، والجنسية علة الصنم‏.‏

ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه بقوله‏:‏ ‏{‏وتذرون‏}‏ ومادة «وذر» تدور على ما يكره، فالمعنى‏:‏ وتتركون ترك المهمل الذي من شأنه أن يزهد فيه، ولو قيل‏:‏ وتدعون- تهافتاً على الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد‏.‏ ولما كان الداعي لا يدعو إلا بكشف ضر أو إلباس نفع، فكان لا يجوز أن يدعو إلا من يقدر على إعدام ما يشاء وإيجاد ما يريد، قال منبهاً لهم على غلطهم في الفعل والترك‏:‏ ‏{‏أحسن الخالقين *‏}‏ أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد والإعدام إلى أسباب فلا تعبدونه‏.‏

ولما كان الإنسان يعلم يقيناً أنه لم يرب نفسه إلا بالإنشاء من العدم ولا بما بعده، وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان، قال مبيناً لمن أراد مذكراً لهم بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم، ويوادون من كان يوادهم بالتربية بعد الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخماً للأمر ومعظماً بالإبدال في قراءة الجماعة بالرفع‏:‏ ‏{‏الله‏}‏ فذكر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات تنبيهاً على أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به ‏{‏ربكم‏}‏ أي المحسن إليكم وحده‏.‏ ولما كانوا ربما أسندوا إيجادهم إلى من قبلهم غباوة منهم أو عناداً قال‏:‏ ‏{‏ورب آبائكم الأولين *‏}‏ أي الذين هم أول لكم، فشمل ذلك آباءهم الأقربين، ومن قبلهم إلى آدم عليه السلام‏.‏

ولما كان من أعظم المقاصد- كما مضى- التسلية والترجية، سبب عن دعائه قوله‏:‏ ‏{‏فكذبوه‏}‏ ولما كانت الترجية مستبعدة، سبب عن التكذيب قوله مؤكداً لأجل تكذيبهم‏:‏ ‏{‏فإنهم لمحضرون *‏}‏ أي مقهورون على إقحامنا إياهم فيما نريد من العذاب الأدنى والأكبر، وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن كرهوا ‏{‏إلا عباد الله‏}‏ أي الذين علموا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا بما علموا فلم يدعوا غيره فإنهم لم يكذبوا؛ ثم وصفهم بما أشار إليه من الوصف بالعبودية والإضافة إلى الاسم الأعظم فقال‏:‏ ‏{‏المخلصين *‏}‏ أي لعبادته فلم يشركوا به شيئاً جلياً ولا خفياً، فإنهم ناجون من العذاب‏.‏

ولما جاهد في الله تعالى وقام بما يجب عليه من حسن الثناء، جازاه سبحانه فقال‏:‏ عاطفاً على «فإنهم لمحضرون» ‏{‏وتركنا عليه‏}‏ أي من الثناء الجميل وجميع ما يسره‏:‏ ‏{‏في الآخرين *‏}‏ أي كل من كان بعده إلى يوم الدين‏.‏ ولما كان السلام اسماً جامعاً لكل خير لأنه إظهار الشرف والإقبال على المسلم عليه بكل ما يريد، أنتج ذلك قوله‏:‏ ‏{‏سلام‏}‏ ولما كان في اسمه على حسب تخفيف العرب له لغات إحداهما توافق الفواصل، فكان لا فرق في تأدية المعنى بين الإتيان بما اتفق منها، وكان ما كثرت حروفه منها أضخم وأجل وأفخم، وكان السياق بعد كثير من مناقبه لنهاية المدحة، كان الأحسن التعبير بما هو أكثر حروفاً وهو موافق للفواصل ليفيد ذلك تمكينه في الفضائل ولتحقق أنه اسم أعجمي لا عربي مشتق من الياس وإن أوهمت ذلك قراءة ابن عامر بوصل همزته فقال‏:‏ ‏{‏على آل ياسين *‏}‏ ومن قرأ آل يس فيجوز أن يكون المراد في قراءته ما أريد من القراءة الأخرى لأن أهل اللغة قالوا‏:‏ أن الآل هو الشخص نفسه، ويس إما لغة في إلياس أو اختصرت اللغة الثانية التي هي إلياسين فحذف منها الهمزة المكسورة مع اللام، ويجوز أن يكون المراد بآله أتباعه، ويكون ذلك أضخم في حقه لما تقدم مما يدعو إليه السياق، ويجوز أن يقصد بهذه القراءة جميع الأنبياء المذكورين في هذه السورة الذين هو أحدهم، أي على الأنبياء المذكورين عقب سورة يس دلالة على ما دعت إليه معانيها من الوحدانية والرسالة والبعث وإذلال العاصي وإعزاز الطائع المجرد لنفسه في حب مولاه عن جميع العوائق، القاطع للطيران إليه أقوى العلائق، وخص بهذا هذه القصة لأنها ختام القصص المسلم فيها على أهلها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 135‏]‏

‏{‏إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏131‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏132‏)‏ وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏133‏)‏ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ‏(‏134‏)‏ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ‏(‏135‏)‏‏}‏

ولما أظهر سبحانه شرف إلياس عليه السلام أو الأنبياء الذين هو أحدهم، علله مؤكداً له تنبيهاً على أنه لا بد من إعلاء النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه على كل من يناويهم وإن كذبت بذلك قريش فقال‏:‏ ‏{‏إنا كذلك‏}‏ أي مثل هذا الجزاء العظيم ‏{‏نجزي المحسنين *‏}‏ أي الذين هو من أعيانهم؛ ثم علل الحكم بإحسانه مؤكداً لما مضى في مثله بقوله‏:‏ ‏{‏إنه من عبادنا‏}‏ أي الجديرين بالإضافة إلينا ‏{‏المؤمنين *‏}‏ ويستفاد من التأكيد أيضاً التنبيه على رسوخ قدمه في الإيمان وأنه بحيث تشتد الرغبة ويقوى النشاط في الإخبار به على ذلك الوجه‏.‏

ولما أتم ما أراد سبحانه من أمور المحسنين من ذرية إبراهيم عليه السلام المرسلين إلى ذريته في التسلية، والترجية وقدمهم لأن المنة عليهم منه عليه، والإنسان بابنه أسر منه بقريبه، وهم الذين أظهر الله بهم وما ترك عليه، من لسان الصدق في الآخرين‏.‏ أتبعهم قصة ابن أخيه مع أهل بلاد الأردن من غير قومهم، فقال مؤكداً للتنبيه على نصر المؤمنين وإن كانوا في القلة والذلة على حال لا يظن انجباره وتكذيباً لليهود المكذبين برسالته أو الشاكين فيها‏:‏ ‏{‏وإن لوطاً‏}‏ أي الذي جرد نفسه من مألوفها من بلاده وعشائره بالهجرة مع عمه إبراهيم عليهما السلام ‏{‏لمن المرسلين *‏}‏ ولما كان جل المقصود تبشير المؤمنين وتحذير الكافرين، وكان مخالفه كثيراً، وكان هو غريباً بينهم، قال في مظهر العظمة‏:‏ ‏{‏إذ نجيناه‏}‏ أي على ما لمخالفيه من الكثرة والقوة، ولم يذكرهم لأنهم أكثر الناس انغماساً في العلائق البشرية والقاذورات البهيمية التي لا تناسب مراد هذه السورة المنبني على الصفات الملكية ‏{‏وأهله أجمعين *‏}‏ ولما كان الكفر قاطعاً للسبب القريب كما أن الإيمان واصلاً للسبب البعيد قال‏:‏ ‏{‏إلا عجوزاً‏}‏ أي وهي امرأته فإن كفرها قطعها عن الدخول في حكم أهله فجردوا عنها، كائنة ‏{‏في الغابرين *‏}‏ أي الباقين في غبرة العذاب ومساءة الانقلاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏136- 142‏]‏

‏{‏ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏136‏)‏ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ‏(‏137‏)‏ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏138‏)‏ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏139‏)‏ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ‏(‏140‏)‏ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ‏(‏141‏)‏ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ‏(‏142‏)‏‏}‏

ولما ذكر نجاته وابتدأ بها اهتماماً بالترجية قال مخوفاً معبراً بأداة البعد إفادة مع الترتيب لعظيم رتبة ما دخلت عليه‏:‏ ‏{‏ثم دمرنا‏}‏ أي أهلكنا بما لنا من العظمة ‏{‏الآخرين *‏}‏ أي فجردنا الأرض من قاذوراتهم ونزهنا البلاد المقدسة منهم ومن أرجاس فعلاتهم، فلم نبق منهم أحداً ولا احتجنا في إهلاكهم إلى استئذان أحد‏.‏ ولما كان المقصود من مثل هذا تحذير المخالفين، وكان تجار قريش يرون البقعة التي كانت فيها أماكن قوم لوط، وهي البحيرة المعروفة، ولا يعتبرون بهم، عدّوا منكرين للمرور عليهم فأبرز لهم الكلام في سياق التأكيد فقيل‏:‏ ‏{‏وإنكم‏}‏ أي فعلنا بهم هذا والحال أنكم يا معشر قريش ‏{‏لتمرون عليهم‏}‏ أي مواضع ديارهم في تجاراتكم إلى الشام ‏{‏مصبحين *‏}‏ أي داخلين في الصباح الوقت الذي قلبنا مدائنهم عليهم فيه، ونص عليه للتذكير بحالهم فيه‏.‏

ولما كان لليل منظر في الهول غير منظر النهار قال‏:‏ ‏{‏وبالليل‏}‏ ولما كان أمرهم كافياً للعاقل في التقوى، أنكر عليهم تماديهم فيما كان سبب أخذهم من تكذيب الناصح فقال‏:‏ ‏{‏أفلا تعقلون *‏}‏ أي يكون لكم عقول فتعتبروا بحالهم، فتخافوا مثل مآلهم، قتصدقوا رسولكم فإنكم أجدر منهم بالأخذ لأنه منكم وأنتم تعرفون من شرف أصله وكريم قوله وفعله ما لا يعرفه أولئك من رسولهم‏.‏

ولما أكمل سبحانه ما أراد من أمور من كان على أيديهم هلاك في الدنيا أو في الآخرة، ختم بمن آل أمر قومه إلى سلامة وإيمان ونعمة وإحسان تغليباً للترجية على التأسية والتعزية فقال مؤكداً لأن ما يأتي من ذكر الاباق وبما أوهم شيئاً في أمره‏:‏ ‏{‏وإن يونس‏}‏ أي أحد أنبياء بني إسرائيل وهو يونس بن متى عليه السلام، حكى البغوي في قصة إلياس عليه السلام أنه لما أرسله الله تعالى إلى سبطه من بني إسرائيل الذين كانوا في مدينة بعلبك، فكذبوه وأراد ملكهم قتله فاختفى في تلك الجبال، اشتاق إلى الناس فنزل فمكث عند امرأة من بني إسرائيل وهي أم يونس بن متى عليه السلام، وكان يونس إذ ذاك رضيعاً ثم رجع إلى الجبال فمات يونس عليه السلام، فأتت أمه إلى تلك الجبال، فما زالت تطوف حتى ظفرت بإلياس عليه السلام، فسألته أن يدعو لابنها فيحييه الله، فقال لها‏:‏ إني لم أومر بهذا، وإنما أنا عبد مأمور، فجزعت فزاد جزعها وتضرعها إليه، فرق لها ورحمها وسار معها فوصل إلى بيتها بعد أربعة عشر يوماً من حين مات، وهو مسجى في ناحية البيت، فدعا الله فأحياه لها، وعاد إلياس عليه السلام إلى جبله ‏{‏لمن المرسلين *‏}‏‏.‏

ولما كان من أعظم المقاصد التسلية على استكبارهم عن كلمة التوحيد وقولهم‏:‏ أنه شاعر مجنون، ذكر من أمر يونس عيله السلام ما يعرف منه صعوبة أمر الرسالة وشدة خطبها وثقل أمرها وشدة عنايته سبحانه بالرسل عليهم السلام وأنه ما اختارهم إلا عن علم فهو لا يقولهم وإن اجتهدوا في دفع الرسالة ليزدادوا ثباتاً لأعبائها وقوة في القيام بشأنها فقال‏:‏ ‏{‏إذ أبق‏}‏ أي هرب حين أرسل من سيده الذي تشرفه الله بالرسالة ضعفاً عن حملها لأن الاباق الهرب من السيد إلى حيث يظن أنه يخفى عليه ‏{‏إلى الفلك‏}‏ أي البيت الذي يسافر فيه على ظهر البحر‏.‏

ولما كان فعله على صورة فعل المشاحن وكان قصده الإيغال في البعد والإسراع في النقلة قال‏:‏ ‏{‏المشحون *‏}‏ أي الموقر ملأ، فلا سعة فيه لشيء آخر يكون فيه، فليس لأهله حاجة في الإقامة لحظة واحدة لانتظار شيء من الأشياء فحين وضع رجله فيه ساروا، فاضطرب عليهم الأمر وعظم الزلزال حتى أشرف مركبهم على الغرق على هيئة عرفوا بها أن ذلك لعبد أبق من سيده، فإن عند أهل البحر أن السفينة لا يستقيم سيرها وفيها آبق- نقله الكرماني وغيره عن ابن عباس رضي الله الله عنهما، فسبب لهم ذلك المساهمة أي المقارعة كما هو رسمهم في مثل ذلك الأمر فاستهموا فساهم، أي قارع يونس عليه السلام معهم؛ قال البغوي‏:‏ والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة‏.‏ ولما آل وقوع القرعة عليه إلى رميه من السفينة من محل علو إلى أسفل، عبر عن ذلك بما يدل على الزلق الذي يكون من علو إلى سفل فقال مسبباً عن المساهمة‏:‏ ‏{‏فكان من المدحضين *‏}‏ أي الموقعين في الدحض، وهو الزلق، فنزل عن مكان الظفر بأن وقعت القرعة فرموه في البحر ‏{‏فالتقمه‏}‏ أي ابتلعه كما تبتلع اللقمة ‏{‏الحوت‏}‏ أي المعروف من جهة أنه لا حوت أكبر منه، فكأنه لا حوت غيره ‏{‏وهو‏}‏ أي والحال أن يونس عليه السلام ‏{‏مليم *‏}‏ أي داخل في الملامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏143- 148‏]‏

‏{‏فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ‏(‏143‏)‏ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ‏(‏144‏)‏ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ‏(‏145‏)‏ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ‏(‏146‏)‏ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ‏(‏147‏)‏ فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ‏(‏148‏)‏‏}‏

ولما وقع ما وقع فتجرد عن نفسه وغيرها تجرداً لم يكن لأحد مثل مجموعه لا جرم، زاد في التجرد بالفناء في مقام الوحدانية فلازم التنزيه حتى أنجاه الله تعالى، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلولا أنه كان‏}‏ أي خلقاً وخلقاً ‏{‏من المسبحين *‏}‏ أي العريقين في هذا المقام، وهو ما يصح إطلاق التسبيح في اللغة عليه من التنزيه بالقلب واللسان والأركان بالصلاة وغيرها لأن خلقه مطابق لما هيئ له من خلقه، فهو لازم لذلك في وقت الرخاء والدعة والخفض والسعة، فكيف به في حال الشدة، وحمله ابن عباس رضي الله عنهما على الصلاة ‏{‏للبث في بطنه‏}‏ أي حيّاً أو بأن يكون غذاء له فتختلط أجزاؤه باجزائه ‏{‏إلى يوم يبعثون *‏}‏ أي هو والحوت وغيرهما من الخلائق، وعبر بالجمع لإفادة عموم البعث، ولو أفرد لم يفد بعث الحيوانات العجم، ولو ثنى لظن أن ذلك له وللحوت خاصة لمعنى يخصها فلا يفيد بعث غيرهما، وقيل‏:‏ للبث حيّاً في بطنه، وفي الآية إشارة إلى حديث «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» وحث على الذكر وتعظيم لشأنه‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ ولكنه لما كان ذكاراً لله في حال الرخاء ذكرناه في حال الشدة، فأنجيناه من بطنه، وأخرجناه منه سالماً، وكان ذلك أمراً باهراً للعقل، أبرزه في مظهر العظمة فقال‏:‏ ‏{‏فنبذناه‏}‏ أي ألقيناه من بطن الحوت إلقاء لم يكن لأحد غيره‏.‏ وكان ذلك علينا يسيراً ‏{‏بالعراء‏}‏ أي المكان القفر الواسع الخالي عن ساتر عن نبت أو غيره، وذلك بساحل الموصل، وقال أبو حيان‏:‏ قذفه في نصيبين من ناحية الموصل‏:‏ ‏{‏وهو سقيم *‏}‏ أي عليل جداً مما ناله من جوف الحوت بحيث أنه كان كالطفل ساعة يولد وهو إذ ذاك محمود غير مذموم بنعمة الله التي تدراكته، فكان مجتبى ومن الصالحين ‏{‏وأنبتنا‏}‏ أي بعظمتنا في ذلك المكان لا مقتضى للنبات مطلقاً فيه فضلاً عما لا ينبت إلا بالماء الكثير‏.‏

ولما كان سقمه متناهياً بالغاً إلى حد يجل عن الوصف، نبه عليه بأداة الاستعلاء فقال‏:‏ ‏{‏عليه‏}‏ أي ورفعناها حال إنباتنا إياها فوقه لتظله كما يظل البيت الإنسان‏.‏ ولما كان الدباء عن النجم، وكان قد أعظمها سبحانه لأجله، عبر عنها بما له ساق فقال‏:‏ ‏{‏شجرة‏}‏ ولما كانت هذه العبارة مفهمة لأنها مما له ساق، نص على خرق العادة بقوله‏:‏ ‏{‏من يقطين *‏}‏ أي من الأشجار التي تلزم الأرض وتقطن فيها وتصلح لأن يأوي إليها ويقطن عندها حتى يصلح حاله، فإنه تعالى عظمها وأخرجها عن عادة أمثالها حتى صارت عليه كالعريش، واليقطين‏:‏ كل ما يمتد وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى على الشتاء ولا يقوم على ساق كالبطيخ والقثاء، والمراد به هنا- كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما شجرة القرع لعظم ورقها وبرد ظلها ونعومة ملمسها وأن الذباب لا يقربها، قال أبو حيان‏:‏ وماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب أصلاً، وقال غيره‏:‏ فيه ملاءمة لجسد الإنسان حتى لو ذهبت عظمة من رأسه فوضع مكانها قطعة من جلد القرع نبت عليها اللحم وسد مسده، وهو من قطن بالمكان- إذا أقام به إقامة زائل لا ثابت‏.‏

ولما كان النظر إلى الترجية أعظم، ختم بها إشارة إلى أنه لا يميته صلى الله عليه وسلم حتى يقر عينه بأمته كثرة طواعية ونعمة فقال‏:‏ ‏{‏وأرسلناه‏}‏ أي بعظمتنا التي لا يقوم لها شيء‏.‏ ولما لم يتعلق الغرض بتعيين المرسل إليهم، وهل هم الذين أبق عنهم أولاً‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏إلى مائة ألف‏}‏ والجمهور على أنهم الذين أرسل إليهم أولاً- قال أبو حيان‏.‏ ولما كان العدد الكثير لا يمكن ناظره الوقوع فيه على حقيقة عدده، بل يصير- وإن أثبت الناس نظراً- يقول‏:‏ هم كذا يزيدون قليلاً أو ينقصونه، وتارة يجزم بأنهم لا ينقصون عن كذا، وأما الزيادة فممكنة، وتارة يغلب على ظنه الزيادة، وهو المراد هنا، قال‏:‏ ‏{‏أو يزيدون *‏}‏ لأن الترجية في كثرة الأتباع أقر للعين وأسر للقلب، وإفهاماً لأن الزيادة واقعة، وهؤلاء المرسل إليهم هم أهل نينوى وهم من غير قومه، فإن حدود أرض بني إسرائيل الفرات، ونينوى من شرقي الفرات بعيدة عنه جداً‏.‏

ولما تسبب عن إتيانه إليهم انشراح صدره بعد ما كان حصل له من الضيق الذي أوجب له ما تقدم قال‏:‏ ‏{‏فآمنوا‏}‏ أي تجريداً لأنفسهم من الحظوظ النفسانية ولحوقاً بالصفات الملكية‏.‏ ولما كان إيمانهم سبب رفع العذاب الذي كان أوجبه لهم كفرهم قال‏:‏ ‏{‏فمتعناهم‏}‏ أي ونحن على ما نحن عليه من العظمة لم ينقص ذلك من عظمتنا شيئاً ولا زاد فيها ‏{‏إلى حين *‏}‏ أي إلى انقضاء آجالهم التي ضربناها لهم في الأزل‏.‏

ذكر قصة يونس عليه السلام من سفر الأنبياء قال مترجمه‏:‏ نبدأ بمعونة الله وقوته بكتب نبوة يونان بن متى النبي‏:‏ كانت كلمة الرب على يونان بن متى، يقول له‏:‏ قم فانطلق إلى نينوى المدينة العظيمة وناد فيها بأن شرارتكم قد صعدت قدامي، وقام يونان ليفر إلى ترسيس من قدام الرب، وهبط إلى يافا ووجد سفينة تريد تدخل إلى ترسيس فأعطى الملاح أجرة ونزلها ليدخل معهم إلى ترسيس هارباً من قدام الرب، والرب طرح ريحاً عظيمة في البحر، فكان في البحر موج عظيم، والسفينة كانت تتمايل لتنكسر وفرق الملاحون وجأر كل إنسان إلى إلهه، وطرحوا متاع السفينة في البحر ليخففوا عنهم، بحق هبط يونان إلى أسفل السفينة ونام فدنا منه سيد الملاحين وقال له‏:‏ لماذا أنت نائم‏؟‏ قم فادع إلهك لعل الله يخلصنا ولا نهلك، وقال الرجل لصاحبه‏:‏ تعالوا نقترع ونعلم هذا الشر من قبل من جاء علينا‏؟‏ فاقترعوا فجاءت القرعة على يونان، فقالوا له‏:‏ أخبرنا ما هذا الشر‏؟‏ وماذا هو عملك، ومن أين أنت، ومن أيّ شعب أنت، وأيتها أرضك‏؟‏ فقال لهم يونان‏:‏ أنا عبراني ولله رب السماء أخشى الذي خلق البر والبحر، ففرق أولئك القوم فرقاً شديداً، فقالوا له‏:‏ ماذا صنعت‏؟‏ لأن أولئك الناس علموا أنه من قدام إلهه هرب، فلما أخبرهم قالوا‏:‏ ما نصنع بك حتى يسكن عنا البحر لأن البحر هو ذا منطلق يزخر علينا‏؟‏ قال لهم يونان‏:‏ خذوني فاطرحوني في البحر فيسكن عنكم البحر لأني أعلم أن هذا الموج العظيم من أجلي هاج عليكم، فجهد أولئك الناس أن يرجعوا إلى الساحل، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، لأن البحر كان ذاهباً يزخر عليهم، ودعوا إلى الرب وقالوا‏:‏ أيها الرب لا يحسب علينا دم زكي، ولا نهلك بنفس هذا الرجل من أجل أنك أنت الرب، وكل ما شئت تصنع، فأخذوا يونان وطرحوه في البحر، فاستقر البحر من أمواجه، وفرق أولئك الناس من قدام الرب فرقاً شديداً، وذبحوا ذبائح للرب ونذروا له النذور، وهيأ الرب سمكة عظيمة فابتلعت يونان، وكان يونان في أمعاء السمكة ثلاثة أيام وثلاث ليالي وقال‏:‏ دعوت الرب في حزني فأجابني، ومن بطن الجحيم تضرعت إليه، وسمع صوتي وطرحني في الغوط في قلب البحر، والأنهار أحاطت بي، وكل أمواجك واهياجك عليّ جازت، أنا بحق قلت‏:‏ إني قد تباعدت من قدام عينيك، من الآن أترى أعود فأنظر إلى هيكلك المقدس، وقد أحاطت بي المياه حتى نفسي والأهوال أحاطت بي، وفي أسفل البحر احتبس رأسي، وإلى أسفل الجبال هبطت، والأرض أطبقت أغلاقها في وجهي إلى الدهر، إذا اغتمت نفسي للرب ذكرت ودخلت صلاتي قدامك إلى هيكلك المقدس، فكل الذين يحفظون الأنساك البطالة رحمتهم فتركوا، أنا بحق بصوت الشكر أقرب لك وأذبح، والذي نذرته أوفيه للرب‏!‏ فأمر الرب السمكة فقذفت يونان في اليبس، وأتى الكلام الرب إليه المرة الثانية، وقال له‏:‏ قم يا يونان فانطلق إلى نينوى المدينة العظمية وناد فيها بالنداء الذي أقوله لك، فقام يونان وانطلق إلى نينوى مثل كلمة الرب، ونينوى كانت مدينة عظيمة للرب مسيرة ثلاثة أيام، وتبدّأ يونان أن يدخل إلى نينوى مسيرة يوم واحد ونادى وقلال‏:‏ من الآن وإلى أربعين يوماً نينوى تنقلب، فآمن أهل نينوى لله وفرضوا الصوم ولبسوا المسوح من عظمائهم حتى صغائرهم، وانتهت الكلمة إلى ملك نينوى فقام عن كرسيه ونزع تاجه، واكتسى مسح شعر، وجلس على الرماد، ونادى في نينوى وقال الملك وأشرافه‏:‏ وكل الناس والغدائر والثيران والغنم فلا يذوقون شيئاً من الطعام ولا يرعون، وماء فلا يشربون، ولكن فليلبس الناس والغدائر ويدعو الله بالتضرع، ويرجع كل إنسان عن طريقة السوء، وعن الاختطاف الذي في يده، وقالوا‏:‏ من ذا الذي يعلم أن الله يقبل منا ويترحم علينا ويرد عنا غصبه ورجزه لكيلا نهلك، ونظر الله إلى أعمالهم أنهم قد تابوا عن طرقهم السوء فرد عنهم غضب رجزه ولم يبدهم، وحزن يونان حزناً شديداً، وتكره من ذلك جداً، وصلى قدام الرب وقال‏:‏ أيها الرب‏!‏ ألم تكن هذه كلمتي، وأنا بعد في بلادي ولذلك سبقت وفررت إلى ترسيس، قد عرفت بحق أنك الرحمن الإله الرؤوف، طويل صبرك وكثيرة نعمتك، وترد السوء الآن يا رب‏!‏ انزع نفسي مني لأن الموت أنفع لي من الحياة، فقال له‏:‏ جداً حزنت يا يونان، وخرج يونان من المدينة واتخذ له ثمة مظلة وجلس تحتها في الظل لينظر ما الذي يعرض للمدينة، وأمر الله الرب أصل القرع، ونبت وارتفع على رأس يونان، فكان ظل على رأسه فتفرج من شدته وفرح فرحاً كثيراً يونان بأصل القرع‏.‏

وفي اليوم الآخر أمر الله الرب دودة في مطلع الصبح فضربت أصل القرع وقرضته، فلما طلعت الشمس أمر الله ريح السموم فيبست أصل القرع، وحميت الشمس في رأس يونان، واغتم وسال الموت لنفسه وقال‏:‏ إنك يا رب تقدر تنزع نفسي مني، لأني لم أكن أخبر من إياي، وقال الرب ليونان‏:‏ جداً حزنت على أصل القرع، فقال يونان‏:‏ جدّاً أحزن حتى الموت، قال له الرب‏:‏ أنت أشفقت على أصل القرع الذي لم تعن به ولم تربه، الذي في ليلة نبت، وفي ليلة يبس، فكيف لا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يدرون ما بين يمينهم من شمالهم وكثرة من الغدائر- انتهى‏.‏ ولعل أصل القرع المذكور هنا كان نبت عليه حين خرج من بطن الحوت، فلما اتفق له ما ذكر هنا رجع إليه وقد زاد عظمه فبنى تحته عريشاً وجلس تحته، فكان منه ما كان، فلا يكون حينئذ ما هنا مخالفاً لما ذكر أهل الأخبار في هذه القصة- والله الموفق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏149- 157‏]‏

‏{‏فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ‏(‏149‏)‏ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ‏(‏150‏)‏ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ‏(‏151‏)‏ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏152‏)‏ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ‏(‏153‏)‏ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ‏(‏154‏)‏ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏155‏)‏ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ‏(‏156‏)‏ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين أحدهما أن هؤلاء المنذرين يسارعون في اقتفاء آثار آبائهم في الضلال، والثاني أن أكثر الأولين ضلوا، وسيقت دليلاً شهودياً على الثاني هذه القصص الست التي ما اهتدى من أهلها أمة بكمالها إلا قوم يونس عليه السلام، كان ذلك سبباً للأمر بإقامة الدليل على ضلال هؤلاء تبعاً لآبائهم بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه، فقال متهكماً بهم مخصصاً الأمر به صلى الله عليه وسلم إشارة إلى عظم هذه النتيجة وأنه لا يفهمها حق فهمها سواه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فاستفتهم‏}‏ أي فاطلب من هؤلاء الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم أن يجيبوك فتوة منهم وكرماً‏:‏ بأي دليل وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعاً لآبائهم في الملائكة الذين تقدم في فاطر أنهم رسل الله، وفي يس أنهم في غاية الشدة بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة يكفي فيه واحد منهم، وبحيث إن صيحة واحده من أحدهم يميت الأحياء كلهم، وصيحة أخرى يحي الأموات كلهم، هذا إلى ما أفادته هذه السورة لهم من الصف والزجر والتلاوة حين ابتدأت بالإقسام بهم لأن لمقصودها نظراً عظيماً إلى أحوالهم في تجرديهم وتقديسهم، ويلزم من هذا الاستفتاء تنزيههم وتنزيه الذي خلقهم وذلك مقصود السورة، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل عليها فإن الرسول دال على قدر من أرسله فقال‏:‏ ‏{‏ألربك‏}‏ أي خاصة وهو الملك الأعلى الذي رباك وأحسن إليك بهدايتك والهداية بك وغير ذلك من أمرك حتى كنت أكمل الخلق وأعلاهم في كل أمر يكون به الكمال والقرب من الله فاصطفاك لرسالته، ففي إفراد الضمير إشارة إلى أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف الأفضل‏.‏

ولما كان المراد تبكيتهم بكونهم جعلوا الأخس لله، وكانت الإناث أضعف من الذكور، ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان، وكانت الإناث في بعض الأجناس كالأسحار أشرف، عدل عن التعبير بالإناث وعبر بما ينص على المراد فقال‏:‏ ‏{‏البنات‏}‏ أي دون البنين، وهم- مع أنهم مربون مقهورون- يأنفون منهم غاية الأنفة ‏{‏ولهم‏}‏ أي دونه ‏{‏البنون *‏}‏ مع أن الرب الذي خصوه بأدنى القبيلين تارة يخلق الذكر من تراب ويربيه أحسن تربية، وأخرى من غيره أو يخرجه من بطن حوت أو غمرات نار أو غير ذلك، فبأي وسيلة ادعوا له ولداً والولد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق من النطفة إلى ما فوقها، ولا يرضى بذلك إلا عاجز فكيف بادعاء أدنى الصنفين من الولد، سبحان ربك رب العزة‏.‏

ولما كان دعواهم لأنوثة الملائكة متضمنة لادعاء العلم باختصاصه عند دعوى الولدية بأدنى القبيلتين أو ادعاء العلم بأنه خلقهم إناثاً بمشاهدة منهم أو كتاب منه إليهم، وأما العقل فإنه لا مدخل له في ذلك، قال معلماً بأنهم أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا علم عندهم بإحدى الطريقين، ولا يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا تنجبر أصلاً، عائداً إلى التصريح بمظهر العظمة التي إن لم يقتض اختيار الأكمل لم يقتض الاختصاص بالأدون لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة ‏{‏الملائكة‏}‏ أي الذين حكموا عليهم بالأنوثة، وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ولم يروا منهم أحداً ولا سبيل لهم إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك، ولما تعين أن المراد بالأنوثة الخساسة، وكان في بعض الإناث قوة الذكور، عبر بالأنوثة إلزاماً لهم في حكمهم ذلك بخساستين فقال‏:‏ ‏{‏إناثاُ وهم‏}‏ أي والحال أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الله ما لا يليق به ‏{‏شاهدون *‏}‏ أي ثابت لهم شهود ذلك لا يغيبون عنه، فإنا كل يوم نجدد منهم من شئنا، قال الرازي‏:‏ وكل واحد من الملائكة نوع برأسه، أما الآدميون فكلهم نوع واحد، وهو ناقص في ابتداء الفطرة، مستكمل، وله درجات في الترقي إلى أن يبلغ مقام المشاهدة، وهو أن تتجلى له حلية الحق الأول من ذاته وصفاته وترتيب أفعاله علماً لا ينفصل عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن المحسوسات والخيالات، ويترقى فعله عن أن يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة، وبهذا يقرب من الله تعالى- انتهى‏.‏

ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي تسبب عنها هذا الاستفتاء أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكداً إشارة إلى أنه قول لا يكاد أن لا يقر أحد أنه قاله، معجباً منهم فيه منادياً عليهم بما أبان من فضيحتهم بما قدم من استفتائهم‏:‏ ‏{‏إلا أنهم من إفكهم‏}‏ أي من أجل أن صرفهم الأمور عن وجوها عادتهم ‏{‏ليقولون *‏}‏ أي قولاً هم مستمرون عليه وإن كانوا لا يقدرون على إبرازه في مقام المناظرة، وعدل عن مظهر العظمة إلى إسم الجلالة العلم على الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من صفاته ونعت من نعوته يأبى الولدية فقال‏:‏ ‏{‏ولد الله‏}‏ أي وجد له- وهو المحيط بصفات الكمال- ولد وهم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد، فولد فعل ماض والجلالة فاعل، وقرئ شاذاً برفع «ولد» على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجر الجلالة بالإضافة، والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض، فلذلك يخبر به عن المفرد وغيره والمؤنث وغيره‏.‏

ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى عظيم تعاليه عن ذلك، صرح به في قوله دالاً على الثبوت مؤكداً لأجل دعواهم أنهم صادقون‏:‏ ‏{‏وإنهم لكاذبون *‏}‏ ودل على كذبهم أيضاً بإنكاره موبخاً لهم في أسلوب الخطاب زيادة في الإغضاب في قوله‏:‏ ‏{‏اصطفى‏}‏ بهمزة الاستفهام الإنكاري، ومن أسقطها فهي عنده مقدرة مرادة، أي أخبروني هل اختار هذا السيد الذي أنتم مقرون بتمام علمه وشمول قدرته وعلو سؤدده ما تسترذلونه‏.‏

ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى، والتعبير بالابن أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك بين معان، قال‏:‏ ‏{‏البنات‏}‏ اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم، وتستحيون من نسبتهن إليكم، حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد ‏{‏على البنين *‏}‏ فكان حينئذ نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلاً عن أجلكم، ولذلك عظم حسناً وتناهى بلاغة قوله‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد الأنظار والفهوم‏!‏ أيّ شيء ‏{‏لكم‏}‏ من الخير في هذا المقال‏؟‏ ثم زاد في التقريع عليه بقوله معجباً منهم‏:‏ ‏{‏كيف تحكمون *‏}‏ أي في كل سألناكم عنه بمثل هذه الأحكام التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقله، وعبر بالحكم لاشتهاره فيما يبت فيأبى النقص، فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث أطلقوه على ما لا أوهى منه‏.‏

ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول، عظيم البعد عن الطباع، حسن جداً قوله أيضاً مبكتاً‏:‏ ‏{‏أفلا تذكرون *‏}‏ أي أدنى تذكر بما أشارت إليه قراءة من خفف بما جمعت من التخفيف والحذف، فإن الأمر في غاية الظهور لما في عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل، فكيف يختاره لنفسه ربكم الذي بيده كل شيء‏؟‏ وإنه لا يكون الولد مطلقاً إلا ممن له جنس، فيكون محتاجاً إلى جنسه، والمحتاج لا يكون إلهاً بوجه، وأشارت قراءة الجماعة بالتشديد والإدغام إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد تذكر بما أشار إليه التشديد مع دقة بما أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من يرى أفعال من يحيي الموءودة فيظن أن ذلك رغبة منهم في الإناث، وليس ذلك إلا رغبة في دفع فساد القتل ورحمة للضعيف، ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن الدرجة العليا في التأمل‏.‏

ولما قررهم على شهود ذلك بما تضمن إبطاله عقلاً، فلم يبق من طرق الأدلة إلا السمع، عادل به قوله‏:‏ ‏{‏أم لكم‏}‏ أي على ادعاء ذلك ‏{‏سلطان‏}‏ أي دليل سمعي بخبر سماوي قاهر، وأشار إلى أنه لا يتكلم في أحوال الملوك إلا بأمر واضح بقوله‏:‏ ‏{‏مبين *‏}‏‏.‏

ولما كان المراد بهذا- ولا بد- البرهان السمعي، بينه بما سبب عنه من قوله‏:‏ ‏{‏فأتوا بكتابكم‏}‏ أي الذي أتاكم بذلك السلطان من الملك في أنه اختار لنفسه ذلك، ودل على كذبهم تلويحاً بعد أن أتى به تصريحاً وهو أنكى ما يكون بالإتيان بأداة الشك في قوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادقين *‏}‏ وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع، والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم، واستركاك عقولهم، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلاً عن أن يتخذ معتقداً، ويتظاهر به مذهباً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏158- 164‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ‏(‏158‏)‏ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏159‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏160‏)‏ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ‏(‏161‏)‏ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ‏(‏162‏)‏ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ‏(‏163‏)‏ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ‏(‏164‏)‏‏}‏

ولما تم إظهار ضلالهم، بكتهم في أسلوب آخر معرضاً عن خطابهم تخويفاً من إحلال عذابهم فقال‏:‏ ‏{‏وجعلوا‏}‏ أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من الأدلة ‏{‏بينه وبين الجنة‏}‏ أي الجن الذين هم شر الطوائف، وأنثهم إشارة إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له ‏{‏نسباً‏}‏ بأن قالوا‏:‏ إنه- جلت سبحات وجهه وعظم تعالى جده- تزوج بنات سروات الجن، فأولد منهم الملائكة، ومن المعلوم أن أحداً لا يتزوج إلا من يجانسه، فأبعدوا غاية البعد لأنه لا مجانس له‏.‏ ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثاً لضميرهم زيادة في تحقيرهم‏:‏ ‏{‏ولقد علمت الجنة‏}‏ أي مطلقاً السروات منهم والأسافل ‏{‏إنهم‏}‏ أي الجن كلهم ‏{‏لمحضرون *‏}‏ أي إليه بالبعث كرهاً ليعاملوا بالعدل مع بقية الخلائق يوم فصل القضاء، والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء، فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك‏.‏

ولما ذكر اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات، وتتلاشى عند تلك المظاهر أعيان الكائنات، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات، وكان ذكره على وجه مبين بُعد الجن عن المناسبة، كان مجزأ للتنزيه وموضعاً بعد تلك الضلالات للتقديس نتيجة لذلك فقال مصرحاً باسم التسبيح الجامع لجميع أنواعه، والجلالة إشارة إلى عظم المقام‏:‏ ‏{‏سبحان الله‏}‏ أي تنزه الذي له جميع العظمة تنزهاً يفوت الحصر ‏{‏عما يصفون *‏}‏ أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم، أو الكفار الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من الولد ‏{‏إلا عباد الله‏}‏ أي الذين يصلحون للإضافة إلى الاسم الأعظم من حيث إطلاقه على الذات الأعظم ولذلك أظهر ولم يضمر، لأن الضمير يعود على عين الماضي، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح، ‏{‏المخلصين *‏}‏ من جميع الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه ولأجل أن هذه السورة سورة المتجردين عن علائق العوائق عن السير إليه، كرر وصف الإخلاص فيها كثيراً‏.‏

ولما نزه نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص، دل على ذلك بأنهم وجميع ما يعبدونه من دونه لا يقدرون على شيء لم يقدره، فقال مسبباً عن التنزيه مؤكداً تكذيباً لمن يظن أن غير الله يملك شيئاً مواجهاً لهم بالخطاب لأنه أنكى وأجدر بالإغضاب‏:‏ ‏{‏فإنكم وما تعبدون *‏}‏ أي من الأصنام وغيرها من كل من زعمتموه إلهاً‏.‏ وابتدأ الخبر عن «أن» فصدره بالنافي فقال‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ وغلب المخاطبين المعبر عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوادتهم تنبيهاً على أنهم عدم كما حقرهم بالتعبير عنهم بما دون «من» فقال مخاطباً‏:‏ ‏{‏أنتم عليه‏}‏ أي على الله خاصة ‏{‏بفاتنين *‏}‏ أي بمغيرين أحداً من الناس بالإضلال ‏{‏إلا من هو‏}‏ أي في حكمه وتقديره ‏{‏صال الجحيم *‏}‏ أي معذب بعذابه لحكمه عليه بالشقاوة فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا من غيره هو فبحكمه ضل لا بكم، نعوذ بك منك، لا مهرب منك إلا إليك، والمراد بتقديم الجار أن غيره قد يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ويعجز عن رد المفسد، فالتعبير بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي جعله لكم من التسبب، فإن كان عندكم غلبة فسموه بها، وتوحيد الضمير على لفظ «من» في الموضعين للإشارة إلى أن الميت على الشرك بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم من العرب قليل، وقرئ شاذاً «صالوا» دفعاً لظن أنه واحد‏.‏

ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبي صلى الله عليه وسلم وقع امتثالاً للأمر المصدر به، وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي يدعون لها بعض القدرة، قال مؤكداً لذلك ومبطلاً لقدرة المخلصين أيضاً عطفاً على ‏{‏فإنكم وما تعبدون‏}‏‏:‏ ‏{‏وما منا‏}‏ أي نحن وأنتم ومعبوادتكم وغير ذلك، أحد ‏{‏إلا له مقام معلوم *‏}‏ قد قدره الله تعالى في الأزل، ثم أعلم الملائكة بما أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما أقامه فيه سبحانه نوع مجاوزة، فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه، والأولياء لهم مقام مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحد، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة، لأنهم للخلق قدوة، فأمرهم على الشهرة، وأمر الأولياء على السترة- قاله القشيري، وغير المذكورين من أهل السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند الله تعالى وعند من أطلعه عليه من عباده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 171‏]‏

‏{‏وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ‏(‏165‏)‏ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ‏(‏166‏)‏ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ‏(‏167‏)‏ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ ‏(‏168‏)‏ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏169‏)‏ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ‏(‏170‏)‏ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ‏(‏171‏)‏‏}‏

ولما سلب عن الكل كل شيء من القدرة إلا ما وهبهم، وكان الكفار يدعون أنهم يعبدون الله تعالى وينزهونه وأن الإشراك لا يقدح في ذلك، بين أن المخلصين خصواً دونهم بمواقف الصفاء، ومقامات الصدق والوفاء، لأن طاعتهم أبطلها إشراكهم، فقال مؤكداً ومخصصاً‏:‏ ‏{‏وإنا‏}‏ أي يا معشر المخلصين ‏{‏لنحن‏}‏ أي دونكم ‏{‏الصافون *‏}‏ أي أنفسنا في الصلاة والجهاد وأجنحتنا في الهواء فيما أرسلنا به وغير ذلك لاجتماع قلوبنا على الطاعة ‏{‏وإنا لنحن المسبحون *‏}‏ أي المنزهون له سبحانه عن كل نقص مما ادعيتموه من البنات وبجوز أن يكون المعنى‏:‏ لنا هذا الفعل، وهو الصف والتسبيح، ولا ينوي له مفعول البتة‏.‏

ولما بين ضلالهم وهداه صلى الله عليه وسلم وهدى من اتبعه- بما أشار إليه بصفة الربوبية التي أضافها إليه في قوله «ألربك» أعلم بأنهم زادوا على عيب الضلال في نفسه عيب الإخلاف للوعد والنقض لما أكدوه من العهد، فقال مؤكداً إشارة إلى أنه لا يكاد يصدق أن عاقلاً يؤكد على نفسه في أمر ثم يخلفه جواباً لمن يقول‏:‏ هل نزهوه كما نزهه المخلصون‏:‏ ‏{‏وإن‏}‏ أي فعلوا ذلك من الضلال بالشبه التي افتضحت بما كشفناه من ستورها ولم ينزهوا كما نزه المخلصون والحال أنهم ‏{‏كانوا‏}‏ قبل هذا ‏{‏ليقولون‏}‏ أي قولاً لا يزالون يجددونه مع ما فيه من التأكيد ‏{‏لو أن عندنا ذكراً‏}‏ أي على أيّ حال كان من أحواله من كتاب أو غيره ‏{‏من الأولين‏}‏ أي من الرسل الماضين ‏{‏لكنا عباد الله‏}‏ أي بحيث أنا نصير أهلاً للإضافة إلى المحيط بصفات الكمال ‏{‏المخلصين *‏}‏ أي في العبادة له بلا شائبة من شرك أصلاً‏.‏

ولما كان هذا الذكر- الذي أتاهم مع كونه أعظم ذكر أتى مصدقاً لكتب الأولين وكان الرسول الآتي به أعظم الرسل، فكان لذلك هو عين ما عقدوا عليه مع زيادة الشرف- سبباً لكفرهم قال‏:‏ ‏{‏فكفروا به‏}‏ أي فتسبب عما عاهدوا عليه أنهم كفروا بذلك الذكر مع زيادته في الشرف على ما طلبوا بالإعجاز وغيره فتسبب عن ذلك تهديدهم ممن أخلفوا وعده، ونقضوا مع التأكيد عهده، فقال‏:‏ ‏{‏فسوف يعلمون *‏}‏ أي بوعيد ليس هو من جنس كلامهم، بل هو مما لا خلف فيه بوجه‏.‏ ولما كان التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد‏:‏ فلقد سبقت كلمتنا على من خالف رسلنا بالخذلان المهين، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏ولقد سبقت‏}‏ أي في الأزل ‏{‏كلمتنا‏}‏ أي على ما لنا من العظمة ‏{‏لعبادنا‏}‏ أي الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون ‏{‏المرسلين *‏}‏ الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏172- 178‏]‏

‏{‏إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ‏(‏172‏)‏ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ‏(‏173‏)‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏174‏)‏ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ‏(‏175‏)‏ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏176‏)‏ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏177‏)‏ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ‏(‏178‏)‏‏}‏

ولما آذنت اللام بعلوهم، أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى واحد بقوله‏:‏ ‏{‏إنهم‏}‏ وزاد في تأكيده في نظير ما عند الكفرة على ما تدل أعمالهم أنه في غاية البعد فقال‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ أي خاصة ‏{‏المنصورون *‏}‏ أي الثابت نصرهم في الجدال والجلاد وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما‏.‏ ولما خص بذلك المرسلين، عم فقال‏:‏ ‏{‏وإن جندنا‏}‏ أي من المرسلين وأتباعهم، ولما كان مدلول الجند في اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفاً من الخلق على حدة، قال جامعاً على المعنى دون اللفظ نصاً على المراد‏:‏ ‏{‏لهم‏}‏ أي لا غيرهم ‏{‏الغالبون *‏}‏ أي وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم يكن في هذه الدار فهو في دار القرار، وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما، وسمى هذا كله كلمة لانتظامه معنى واحداً، ولا يضر انهزام في بعض المواطن من بعضهم ولا وهن قد يقع، وكفى دليلاً على هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الثلاثة بعده رضي الله عنهم‏.‏

ولما ثبت لا محالة بهذا أنه صلى الله عليه وسلم هو المنصور لأنه من المرسلين ومن جند الله، بل هو أعلاهم، سبب عن ذلك قوله‏:‏ ‏{‏فتولّ‏}‏ أي فكلف نفسك الإعراض ‏{‏عنهم‏}‏ أي عن ردهم عن الضلال قسراً ‏{‏حتى حين *‏}‏ أي مبهم، وهو الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل ‏{‏وأبصرهم‏}‏ أي ببصرك وبصيرتك عند الحين الذي ضربناه لك وقبله‏:‏ كيف تؤديهم أحوالهم وتقلباتهم كلما تقلبوا إلى سفول‏.‏

ولما كانوا قبل الإسلام عمياً صمًّا لأنهم لا يصدقون وعداً ولا وعيداً، ولا يفكرون في عاقبة، حذف المفعول من فعلهم فقال متوعداً محققاً بالتوسيف لا مبعداً‏:‏ ‏{‏فسوف يبصرون *‏}‏ أي يحصل لهم الإبصار الذي لا غلط فيه بالعين والقلب بعد ما هم فيه من العمى، وهذا الحين واضح في يوم بدر وما كان من أمثاله قبل الفتح، فإنهم كان لهم في تلك الأوقات نوع من القوة، فلذلك أثبتهم نوع إثبات في أبصرهم‏.‏

ولما كانت عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء، كلما ورد عليهم تهديد، سبب عن ذلك الإنكار عليهم على وجه تهديد آخر لهم فقال‏:‏ ‏{‏أفبعذابنا‏}‏ أي على ما علم له من العظمة بإضافته إلينا ‏{‏يستعجلون‏}‏ أي يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم قبل أوانه الذي ضربناه له‏.‏ ولما علم من هذا أنه لا بشرى لهم يوم حلوله، ولا قرار عند نزوله، صرح بذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فإذا‏}‏ أي هددناهم وأنكرنا عليهم بسبب أنه إذا ‏{‏نزل بساحتهم‏}‏ أي غلب عليها لأن ذلك شأن النازل بالشيء من غير إذن صاحبه ولا يغلب عليها إلا وقد غلب على أهلها فبرك عليهم بروكاً لا يقدرون معه على البروز إلى تلك الساحة وهي الفناء الخالي عن الأبنية كأنه متحدث القوم وموضع راحتهم في أي وقت كان بروكه من ليل أو نهار، ولكن لما كانت عادتهم الإغارة صباحاً، قال على سبيل التمثيل مشيراً بالفاء إلى أنه السبب لا غيره ‏{‏فساء صباح المنذرين *‏}‏ أي الذين هم أهل للتخويف من هؤلاء وغيرهم وهذا التهديد لا يصلح لأن ينطبق على يوم الفتح ولقد صار من لم يتأهل لغير الإنذار فيه في غاية السوء، وهم الذين قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم، ومنهم من تعلق بأستار الكعبة فلم يفده ذلك، ولكنهم كانوا قليلاً، والباقون إن كان ذلك الصباح على ما ساءهم منظره فلقد سرهم لعمر الله مخبره‏.‏

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة لا يستأصل قومه بعذاب، قال دالاً على ذلك بتكرير الأمر تأكيداً للتسلية، ووعد النصرة مع ما فيه من زيادة المعنى على الأول، عاطفاً على «تولّ» الأولى‏:‏ ‏{‏وتول‏}‏ أي كلف نفسك الصبر عليهم في ذلك اليوم الذي ينزل بهم العذاب الثاني والإعراض ‏{‏عنهم حتى حين *‏}‏ وكذا فعل صلى الله عليه وسلم فإنه حل بساحتهم يوم الفتح صباحاً، فلم يقدروا على مدافعة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏179- 182‏]‏

‏{‏وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ‏(‏179‏)‏ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ‏(‏180‏)‏ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ‏(‏181‏)‏ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏182‏)‏‏}‏

ولما كابر بعضهم ودافع، لم يكن بأسرع من أن ولوا وطلبوا السلامة بالدخول فيما جعله صلى الله عليه وسلم علماً على التأمين، وقال حماس بن قيس أخو بني بكر لما دخل بيته لامرأته‏:‏ أغلقي عليّ الباب، فعيرته بالهزيمة بعن أن كانت تنهاه عن منابذة المسلمين فلا ينتهي ويقول لها‏:‏ لا بد، أن أخدمك بعضهم‏:‏

إنك لو شهدت يوم الحندمه *** إذ فر صفوان وفر عكرمه

واستقبلتنا بالسيوف المسلمة *** يقطعن كل ساعد وجمجمه

ضرباً فلا يسمع إلا غمغمه *** لهم نهيت خلقنا وهمهمه *** لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

ولما كان هذا منطبقاً على يوم الفتح، وكان ذلك اليوم قد أحل الكفار محلاًّ صاروا به بحيث لا اعتبار لهم قال‏:‏ ‏{‏وأبصر‏}‏ مسقطاً ضميرهم، أي أبصر ما تريد من شؤونك التي يهمك النظر فيها، وأما هم فصاروا بحيث لا يبالي بهم ولا يفكر في أمرهم ولا يلتفت إليهم، فإنا أبدلنا من عزتهم ذلاًّ، ومن كثرتهم قلاًّ، وجردنا تلك الأراضي من قاذورات الشرك، وأحللنا بها طهارة التنزيه وأقداس التحميد، وكذا كان، فإنه صلى الله عليه وسلم قال لهم وهو على درج الكعبة وهم تحته كالغنم المجموعة في اليوم المطير بعد أن قال «» لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده «‏:‏ ما تظنون أني فاعل بكم يا معاشر قريش‏؟‏ قالوا‏:‏ خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال‏:‏ اذهبوا فأنتم الطلقاء، وقال له صفوان بن أمية‏:‏ اجعلني بالخيار شهرين، قال‏:‏ أنت بالخيار أربعة أشهر»، ولم يكلف أحداً منهم الإسلام حتى أسلموا بعد ذلك طوعاً من عند آخرهم‏.‏ ولما حاصر الطائف فعسرت عليه انصرف عنها، فما لبثوا أن أرسلوا إليه رسلهم وأسلموا فحسن إسلامهم ولم يرتد أحد منهم في الردة، وهذا من معنى ‏{‏فسوف يبصرون *‏}‏‏.‏

ولما تقرر له سبحانه من العظمة ما ذكر، فكان الأمر أمره والخلق خلقه، ثبت تنزهه عن كل نقص واتصافه بكل كمال، فلذلك كانت نتيجة ذلك الختم بمجامع التنزيه والتحميد فقال‏:‏ ‏{‏سبحان ربك‏}‏ أي المحسن إليك بإرسالك وإقامة الدليل الظاهر المحرر على صدقك بكل ما يكون من أحوال أعدائك من كلام أو سكوت، وتأييدك بكل قوة وإلباسك كل هيبة ‏{‏رب العزة‏}‏ أي التي هو مختص بها بما أفهمته الإضافة وأفاد شاهد الوجود وحاكم العقل، وقد علم بما ذكر في هذه السورة أنها تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء، وفي إضافة الرب إليه وإلى العزة إشارة إلى اختصاصه صلى الله عليه وسلم وكل من وافقه في أمره عن جميع الخلق بالعزة وإن رئي في ظاهر الأمر غير ذلك ‏{‏عما يصفون *‏}‏ مما يقتضي النقائص لما ثبت من ضلالهم وبعدهم عن الحق‏.‏

ولما قدم السلام على من شاء تخصيصه في هذه السورة من رسله عمهم فقال عاطفاً على ‏{‏سبحان‏}‏‏:‏ ‏{‏وسلام‏}‏ أي تنزه له وسلامة وشرف وفخر وعلا ‏{‏على المرسلين *‏}‏ أي الواصفين له بما هو له أهل، الذين اصطفاهم، الصافين صفًّا، الزاجرين زجراً، التالين ذكراً، من البشر والملائكة المذكورين في هذه السورة وغيرهم لأجل ما حكم لهم من سبحانه في الأزل من العز والنصر ‏{‏والحمد‏}‏ أي الإحاطة بأوصاف الكمال ‏{‏لله‏}‏ أي الجامع لجميع الأسماء الحسنى التي دل عليها مجموع خلقه، وإلى ذلك أشار بقوله‏:‏ ‏{‏رب العالمين *‏}‏ فهو حينئذ الواحد المعتال، الذي تنزه عن الأكفاء والأمثال، والنظراء والأشكال، في كل شيء من الأقوال والأفعال، والشؤون والأحوال، ولقد ترافق آخرها- كما ترى- وأولها، وتعانق مفصلها وموصلها- والله الهادي إلى الصواب‏.‏